محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
23
الظرف والظرفاء
أن نشوء الظرف في الحجاز وانتقاله إلى الكوفة يحملنا على النظر في البيئة التي ازدهر فيها هذا الفن . لقد كان الفتح العربي سخيا على الحجاز ، وبخاصة بعد أن انتقلت العاصمة من المدينة إلى دمشق . ولم يلبث هذا السخاء أن فقد أهدافه ، فالأحداث التاريخية تدل على أن أهل الحجاز لم يكونوا موالين للسلطة الأموية ثم العباسية لاحقا . والأهمال السياسي للحجاز جعله في صف المعارضة غالبا ، كما أن الكوفة كانت مركز العداء السياسي للأمويين ، وازدهار الغناء والشعر في الحجاز أولا كان نوعا من التعامل مع الواقع الجديد ، الذي اغدق الثروات على الحجازيين ليكسبهم إلى جانبه ، وهذا الاستهتار كان متنفسا للشعراء كي لا يصنفوا بين الخصوم السياسيين ، وكي يفيدوا من حريات معينة ، وهو ما حماهم بالفعل . فنحن لا نعرف منهم من ضيّق عليه رغم ان الاتهام بالزندقة كان كافيا لأن يدفع صاحبها حياته . هذا باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز القصير الأمد . ومن الطبيعي أن يكون بين الموالي القادمين إلى الحجاز عدد كبير من المغنين والمغنيات والموسيقيين والراقصات ، وهؤلاء كانت لهم تقاليدهم الثقافية . وتعتبر الفترة الذهبية لازدهار الفن في الحجاز تلك الممتدة بين السنوات 60 - 90 ه حيث اعتبرت المدينة مركزا للغناء والظرف ، وبعض المغنين اعتبروا من الظرفاء . فابن سريج المكي بعد انتقاله إلى المدينة كان يعد في الظرفاء ، ووصف بأنه يتميز بالرقة التي اطراها الوليد بن عبد الملك . ويبدو أنه كان مثار الاعجاب ، فقد كان يعد في الخطباء ، واعتبر غناؤه منسجما مع التقاليد الاسلامية ولا يخالفها « 48 » . ولم يكن الغريض ومعبد أقل شهرة منه « 49 » . ومع هذه الاعلام يعطينا كتاب الأغاني عددا من الأسماء الذين عدوا من الظرفاء الخلعاء . والخليع هو الذي انهمك في الشراب ولازمه ليلا نهارا ، كأنه خلع رسنه واعطى نفسه هواها ، فالخليع هو المشتهر بالشرب « 50 » . كان الاستهتار بالخمر دعوة صريحة إلى الخلاعة . فكان عمارة بن الوليد
--> ( 48 ) - الأغاني 1 : 263 ، 311 ( الهيئة العامة ) . ( 49 ) - المصدر نفسه ، 2 : 374 ، وفي الجزء الأول أخبار ابن جامع . ( 50 ) - لسان العرب ، 8 : 76 - 77 .